الشيخ محمد آصف المحسني

36

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

تحصيل الحاصل الممتنع « 1 » ، ومنه ينقدح أنّ ما توهّمه جمع من الأشعريين « 2 » من عدم بطلان تكليف الجاهل بدعوى أن شرط التكليف فهمه لا التصديق به ، فإن الغافل من لا يفهم الخطاب ، أو لم يقل له : إنك مكلّف ، لا من لا يعلم أنّه مكلّف . فهو غفلة عن الواضحات كما عرفت . ثم إنّه يلزمهم إفحام الأنبياء عليهم السّلام إذ لا وجوب قبل المعرفة كما عرفت ، ولا معرفة إلّا بعد النظر ، فلو قال المكلّف : لا انظر حتى أعرف ، لما كان للنبي عليه سلطان ، فبهذه الطريقة الأشعرية يمكن فرار الناس من الديانة الإسلامية . وبالجملة : مفاسد هذا القول كثيرة . وأمّا الاستشهاد بقوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا « 3 » على الوجوب الشرعي ، بدعوى أن نفي العذاب قبل البعثة يكشف عن نفي الوجوب ، فهو ضعيف ، فإن الكاشف عنه نفى استحقاق العذاب دون نفي فعليته ووقوعه كما في الآية الكريمة ، نعم من أنكر العفو والشفاعة وجعل العذاب من لوازم المعصية كان الاستدلال عليه متّجها من باب الجدل . هذا مع أنه - على تقدير صحّته - لا ينفي الوجوب الفطري المتقدم ؛ لانّ الشاك لا يرى حجّية لهذه الشهادة ، فافهم . والصحيح أنّ ظاهر الآية هو الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث ، فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع على الأمم السالفة دون العقاب الأخروي كما يدل عليه ما بعد الآية : قال اللّه تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها . . . فدمرناها تدميرا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح . . . الآيات « 4 » فالآية الكريمة أجنبية عن محلّ الكلام بالكلية . تعقيب وتكميل قضية الأدلة المتقدمة هي وجوب المعرفة لأجل دفع الضرر أو وقوع الشكر على ما يناسب حال المشكور المنعم ، فهو وجوب غيري ليس بنفسي ، وأمّا الوجوب الشرعي فقد دريت تعلّقه بالنظر دون المعرفة كما صرح به قائله ، نعم هنا وجهان آخران يدلّان على أن المعرفة واجبة وجوبا نفسيا : الأول : ما أفاده الأصولي الشهير المحقق الهروي في كفاية الأصول قال : « نعم يجب

--> ( 1 ) وأما ما ذكره في القوانين 2 / 170 من لزوم الدور من قولهم ففيه نظر فلاحظ . ( 2 ) لاحظ شرح المواقف 1 / 158 ، وكلام ابن روزبهان في إحقاق الحق 1 / 161 ، وغيرهما . ( 3 ) الاسراء 17 / 15 . ( 4 ) الاسراء 17 / 15 ، 16 ، 17 .